عبدالله النيباري: صفقة تحصين رئيس الوزراء فاسدة

عبدالله النيباري

من دون شك أن مبادرة سمو أمير البلاد، واهتمامه بنزع فتيل التوتر والاحتقان في المجتمع، واقعاً أو متوقعاً، سيبقى محل تقدير وإجلال.

وقضية سحب الجنسية من بعض المواطنين في ظروف الاحتقان والحركة الاحتجاجية الشعبية لعام 2011، على أثر انكشاف فضيحة رشوة النواب التي كشف النائب رياض العدساني بعض تفاصيلها مؤخراً، وبيان حجم المبالغ التي قبضها بعض النواب، وازدياد حدة التوتر بعد مرسوم بقانون الصوت الواحد، جعلت شرائح المجتمع الكويتي وخاصة الشباب تعبر عن مشاعرها المؤججة في أكبر مظاهرة عرفها تاريخ الكويت وربما الجزيرة العربية.

إذن ما نقل عن نوايا صاحب السمو وتوجيهاته بمعالجة أمر من سحبت جنسياتهم سيبقى محل تقدير وإجلال بإعلائه المصلحة العامة، واهتمامه برفع الظلم إن كان قد وقع بحق بعض المواطنين.

ولكن ما صدر من بعض النواب، سواء من شاركوا في لقاء سمو الأمير أو أبدوا رأياً بشأنه، كان مثيراً للاستغراب، إن لم يكن الاستنكار.

فقد تحدث بعض النواب عن مبادرة إعادة الجناسي، وكأن المسألة عقد صفقة ثمنها ما سمي بالتزام تحقيق التهدئة وتثبيت الاستقرار السياسي (في مجلس الأمة طبعاً)، إذ لا يواجه البلد اضطرابات أو صدامات أو إضرابات، وفسر بعضهم مواصفات صفقة التهدئة بأنها رد المكرمة بالتهدئة خلال الفصل الحالي، والالتزام بعدم مساءلة رئيس الوزراء وتحصينه خلال الفصل التشريعي الحالي، مقابل عودة الجناسي، وفسر بعضهم مبررات هذا الالتزام بأن البرلمان كان مهدداً بالحل والإبطال السياسي، وبمعالجتنا لهذا الملف الحساس أرحنا البلد والشارع.

هكذا إذن لكل شيء ثمن، نعطيكم كذا تلتزمون الصمت والتنازل عن دوركم في مساءلة السلطة التنفيذية. الأنكى من ذلك وصف هذا الالتزام بتحصين رئيس الوزراء والتنازل عن محاسبته، خصوصاً أنه اختيار صاحب السمو.

وهذه التهدئة أو الحصانة تمتد خلال الفصل التشريعي الحالي، والفصل بموجب الدستور ولائحة المجلس الداخلية مدته أربع سنوات، وليس دورة المجلس السنوية، فهل كان ذلك مقصوداً أو محل التباس، وعدم التمييز بين الفصل التشريعي (أربع سنوات) والدورة البرلمانية السنوية وهي سنة واحدة؟

وإذا كان تحصين رئيس الوزراء لأنه اختيار سمو الأمير فكذلك الوزراء بنص المادة 56 من الدستور “يعين الأمير رئيس الوزراء، كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم”.

ومفهوم هذا الالتزام بالصمت لتحقيق الهدوء والاستقرار هو نوع من الاعتراف بأن ممارسات بعض النواب فيها انحراف عن التزام الموضوعية في الأداء، سواء في تقديم الأسئلة أو الاستجوابات أو أسلوب المناقشة، فاللائحة الداخلية (المادتان 123 و133) توجب ألا يتضمن السؤال أو الاستجواب عبارات غير لائقة أو فيها مساس بكرامة الأشخاص أو إضرار بالمصلحة العليا للبلاد.

ومن الظواهر السلبية في ممارسة بعض النواب حقهم وواجبهم في مساءلة السلطة التنفيذية استخدام أسلوب يخالف نص الدستور واللائحة الداخلية للمجلس، بل أحياناً الأعراف والتقاليد البرلمانية والاجتماعية وقيم المجتمع، وتصطبغ ممارساتهم بالشعبوية أو المساومة على المصالح أو استعراض العضلات.

ولذلك فإن موقف النواب راكان النصف ورياض العدساني ويوسف الفضالة بأنهم ليسوا أطرافاً في اتفاق تحصين رئيس الوزراء، وأن مواقفهم تجاه السلطة التنفيذية هي وفقاً لما يحدده الدستور الذي منح النواب حق مساءلة السلطة التنفيذية رئيساً ووزراء، وأن سحب الجناسي كان قراراً سياسياً، وهو أمر يحتاج إلى تصحيح تشريعي، موقف سليم.

أمر آخر، كيف سيضمن النواب المؤيدون للصفقة التزام كل أعضاء المجلس بما سموه تحصين رئيس الوزراء من المساءلة، فالسؤال والاستجواب حق لكل عضو في المجلس، والمساءلة السياسية لا تقتصر على السؤال والاستجواب، فكل وجهة نظر تنتقد السلطة التنفيذية هي نوع من المساءلة السياسية، وإن لم تحرك المجلس فهي تستنهض الرأي العام وأجهزة الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، وربما أثرها أقوى من الاستجواب لرئيس الوزراء الذي في الغالب لن ينجح في مجلس يسهل على الحكومة استمالة النواب بألف طريقة وطريقة من استخدام المال إلى الواسطات إلى المصالح.

وفي تقديري أن هذه الصفقة فاشلة من جهة الالتزام بالتحصين، وأعتقد أن ضغط الرأي العام سيدفع عدداً أكبر من النواب إلى تبرئة أنفسهم من هذه الصفقة.

نقلاً عن جريدة الجريدة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*