عبدالله النيباري: ملاحظات حول حكم المحكمة الدستورية

عبدالله النيباري الأمين العام الأسبق للمنبر الديمقراطي

عبدالله النيباري
الأمين العام الأسبق للمنبر الديمقراطي

حكم المحكمة الدستورية في شأن الطعون بعدم دستورية مرسوم الصوت الواحد، شأنه شأن الأحكام القضائية ملزم للكافة ونافذ في شأن جميع سلطات الدولة.

وتعبير احترام قرار المحكمة يعني عدم التشكيك أو التجريح في المحكمة، ولكنه لا يعني القبول به أو عدمه، فأحكام القضاء تقبلها فئة وتعترض عليها أخرى، وتلجأ لنقضها بالطرق المتاحة قانوناً. وقرار المحكمة، الدستورية لا سبيل لاستئنافه أو اللجوء لوسائل نقضه حكم «الدستورية لا يعني أنه غير قابل للتقيم فهو حكم نهائي».
ومع ذلك، لا يعني أنه غير قابل للتقييم والنقد، وفي هذا تناول الكثير من الكتاب الموضوع بابداء ملاحظاتهم حول ايجابيات الحكم وسلبياته.
ومن المؤكد أن هذا الحكم سيكون محل جدل من قبل الباحثين وأساتذة القانون، وهي على كلٍ ظاهرة إيجابية، فنحن لا نعيش في عصر المسلّمات، فكل اجتهاد قابل للتقييم والنقد.
رقابة قضائية
وفي شأن موضوع الحكم، هنالك رأي واسع عبَّر عنه كتاب الأعمدة في الصحافة الكويتية وهو التأكيد على قاعدة خضوع مراسيم الضرورة التي تصدرها السلطة التنفيذية برئاسة الأمير للرقابة القضائية، رافضة دفوعات الحكومة بعدم اختصاص المحكمة الدستورية في النظر في دستورية المراسيم استناداً لحكم سابق للمحكمة الدستورية عام 1982 القاضي «بأن تقدير حالة الضرورة مرده للأمير وحده يقدرها حسب الظروف والملابسات في كل حالة على حدة». هذه النظرية تجاوزتها المحكمة وقررت قاعدة تتفق مع إجماع فقهاء القانون الدستوري بأن مراسيم الضرورة لا يمنع اعتبارها قرارات سياسية من بسط سلطة المحكمة الدستورية عليها للتحقق من مدى موافقتها لأحكام الدستور.
وعندما طبقت هذه القاعدة على المرسوم بقانون بإنشاء اللجنة العليا للانتخابات قضت بعدم دستوريته، وعللت حكمها بأن هذا المرسوم يمثل خروجاً سافراً على نص المادة 71 وعلى الأغراض التي وضعت من أجلها، حيث إن الرخصة في إصدار مراسيم لها قوة القانون هو استثناء من أصل تستعمل في حالة الضرورة الملحة ووقاية من خطر ولهذا شرعت لهذه الأغراض، وليس لاتخاذها وسيلة لتتحول السلطة التنفيذية إلى سلطة تشريعية كاملة ومطلقة لا قيد عليها ولا عاصم من جموحها وانحرافها.
كما أكدت المحكمة أيضا أن إقرار مجلس الأمة لهذا المرسوم لا يسبغ عليه المشروعية الدستورية ولا يطهره من العوار الذي لحق به. وان مقتضى حكمها في هذا الشأن هو زوال المرسوم منذ نشأته وتجريده من قوة نفاذه وإزالة الآثار القانونية التي ترتبت عليه.
وبالتالي فإن الانتخابات التي أجريت وفقاً لأحكام تعتبر باطلة برمتها في الدوائر الخمس وبعدم صحة من أعلن فوزهم فيها وإعادة الانتخابات مجدداً.
قلق وجدل
هذا القرار بزوال مرسوم إنشاء اللجنة العليا للانتخابات وإبطال الانتخابات برمتها وإعادة الانتخابات مجدداً، جاء قوياً وحاسماً، ولكن عندما تصدت المحكمة لبحث مدى توافر حالة الضرورة بالنسبة لمرسوم الصوت الواحد جاء قرارها ليخلق التباساً مثيراً للقلق والجدل. فهي لم تطبق المعيار الذي قاست به مدى توافر شروط الضرورة في رفضها لمرسوم إنشاء اللجنة العليا للانتخابات، ولم تأخذ بالقاعدة التي قررت على أساسها رفض الطعن المقدم من الحكومة في قانون الانتخابات رقم 42 لسنة 2006، المعروف بخمس دوائر وأربعة أصوات، الذي قالت فيه: «إنه لا شأن للمحكمة في بحث مدى ملاءمة نصوص القانون ولا ما ظهر فيها من قصور ومثالب من جراء تطبيقها ولا بالادعاء أن تلك النصوص لم تؤت أكلها وتحقق غاياتها، فهذه الأمور قد يستدعي النظر في تعديلها اذا كانت غير وافية بالمرام بالأداة القانونية المقررة طبقاً للدستور»، أي أن تتقدم الحكومة بمشروع قانون يقره مجلس الأمة.
ولم تأخذ بالقواعد القانونية التي تقول إن الرخصة الاستثنائية لاستخدام المرسوم لا تستخدم في شأن يمكن معالجته بالتشريع العادي، ولا بالرأي القائل إن قانون الانتخابات يعتبر مكملاً للدستور ولا يجوز تعديله بمرسوم، إذ إنه الآلية التي تنتج وتصنع مجلس الأمة الذي يراقب أعمال السلطة التنفيذية، إذ ان من شأن ذلك انه كلما اختلفت الحكومة مع المجلس لجأت إلى حله واصدار مرسوم بتعديل قانون الانتخابات ينتج مجلساً على هوى الحكومة. وهو ما نواجهه في واقعنا الحالي.
وعللت أسباب رفضها للطعن بالمرسوم وبالتالي الشرعية التي أضفتها عليه، إصرار أعضاء مجلس الأمة على عدم حضور جلسات المجلس حتى لا يكتمل النصاب القانوني، وأضحى المجلس معطلاً، فارتأت الحكومة انه بات لزاماً عليها أن تسارع إلى وضع حد لهذه السلبيات والقصور في المادة الثانية من القانون بإجراء تشريعي يتحتم صدوره بمرسوم يكون له قوة القانون، ثم اضافت أن الصوت الواحد للناخب هو قاعدة متبعة في العديد من الدول الديمقراطية.
أمثلة
وقد يثار في مواجهة هذه الأسباب أن عدم اكتمال النصاب كان يمكن أن يعالج بتفعيل اللائحة الداخلية للمجلس باتخاذ إجراءات جزائية على النواب، يضاف إلى ذلك أن الحكومة لم تدخل قاعة المجلس في الجلسات التي لم يكتمل فيها النصاب، وقد يثار أيضاً أنه في حالة تعذر انعقاد المجلس لعدم اكتمال النصاب لتكرار عدم حضور النواب، كان بالامكان حل المجلس والعودة لتحكيم إرادة الشعب. فعدم اكتمال النصاب لم يكن لعلة في القانون، وإنما العلة في النواب. ففي المجلس الأول، عندما لجأت أغلبية النواب ما سمي بـ«كتلة 31 نائباً» المحسوبين على الشيخ جابر العلي إلى ترك القاعة وافقاد النصاب لمنع الحكومة من أداء القسم، ورفع الأمر لسمو الأمير عبدالله السالم اتخذ سموه قراراً بتغيير الحكومة.
ومثال آخر من اليونان بعد الانتخابات الأولى في 2012، لم تستطع الأحزاب والكتل السياسية الاتفاق على تشكيل الحكومة، وبعد استنفاد المدة القانونية تم حل البرلمان، وأعيدت الانتخابات، ولم يمس قانون الانتخابات.
عبث بالانتخابات
أما القول إن قاعدة الصوت الواحد للناخب هي قاعدة متبعة في العديد من الدول فهو أمر يشوبه اللبس، فتلك القاعدة المطبقة في الدول الديمقراطية هي صوت واحد، في دائرة يمثلها نائباً واحد وليس نائبا من عشرة يمثلون الدائرة، ويترتب على ذلك مثالب عديدة.
ففي حين أن نصاب النجاح في الدول التي تطبق قاعدة الصوت الواحد لكل ناخب يكون النجاح في الأغلب على حصول النائب الفائز على أكثر من 50 في المائة من أصوات الدائرة، وفي حالة تعدد التنافس لا تقل نسبة النجاح عن 35 في المائة، ومثال ذلك انتخابات بريطانيا الأخيرة وانتخابات الولايات المتحدة الأميركية لمجلس النواب، التي كان معظم الفائزين فيها قد حصلوا على أكثر من 50 في المائة، ما عدا اثنين حازوا 48 في المائة و45 في المائة، في حين أن مرسوم نظام الصوت الواحد كان النجاح فيه 2 في المائة أو أقل للعاشر و10 في المائة للأول من أصوات الدائرة.
وهذا ما يخل بقاعدة تمثيل الأمة ونظام الصوت الواحد بموجب المرسوم بقانون سيفسح المجال للعبث بالانتخابات عن طريق نقل الأصوات واستخدام المال السياسي والواسطات والخدمات.
ولن يرتقي بالممارسة البرلمانية في الكويت، التي تشكو من طغيان العمل الفردي، فيما العمل البرلماني الصحيح هو عمل كتل وأحزاب برلمانية وليس مجلس وسطاء وخدمات، لذلك فإن نظام الصوت الواحد لاختيار واحد من عشرة في خمس دوائر هو أسوأ بكثير من نظام الخمس وعشرين دائرة بصوتين، الذي نهضت الحركة الشعبية «نبيها خمسة» لتعديل الخلل فيه.
وإذا كان نظام الدوائر الخمس بأربعة أصوات للناخب يشكو من الخلل فلا يكون إصلاحه بالتراجع إلى الخلف.
لقد شاهدنا المجلس الذي أنتجه هذا النظام، ورأينا ممارساته وانحدار الخطابه البرلماني لدرجة الاسفاف، وقوانين هدر المال العام، والعبث بتعيين الأقارب، تجاوزت كل سيئات المجالس السابقة.

نقلا عن الطليعة