حبيب السنافي : الأنين السوري

حبيب السنافي عضو المكتب السياسي

حبيب السنافي
عضو المكتب السياسي

ماذا يمكن أن نطلق من تعريف على الصراع الدائر في سوريا؟.. هل ثورة شعبية، أم حرب أهلية، أم نزاع دموي طائفي؟ وهل يمكن أن نستعير لفظة حرب مفتوحة؟

لا أعلم!

لكن الذي نقره أن طاحونة القتال اليومي تحصد أرواح المدنيين بكل يسر ولا تهدأ، فالكل يقاتل ولا يفكر إلا بانتهاز الفرصة، ليبطش بالآخر ويفنيه.

فأعداد القتلى من المتحاربين وأغلب المدنيين تجاوزت 150 ألف قتيل، وتقدر بعض التقارير أن من بينهم حوالي سبعة آلاف طفل وخمسة آلاف امرأة .. أما اللاجئون، فيقدر عددهم بتسعة ملايين مشرد بالداخل والخارج.

والجلي أن الحل السياسي والدبلوماسي لم ينضج بعد بأذهان السياسيين من مختلف المشارب.. إما لأن المصالح لم تتحقق بعد لأطراف النزاع وأنصارهم التي تبدو كأذرع الأخطبوط لتعددها، أو لأن الواقع المراد تثبيته وترسيخه لم يحن أوان قطفه بعد، الرؤية لا تبدو ميسرة للناظر.

لقد بدأ الصراع من شرارة التمرد من منطقة درعا، لتنتقل معها ردود الأفعال في العديد من المدن السورية، وانطلقت حركة التمرد والعصيان الداخلي لتتشعب وتتمدد بشكل ملفت للحيرة، لتتداعى الأحداث ويزداد حجم «كرة الثلج» وتتغيَّر المعادلة، من صراع بين نظام باغ وشعب أعزل، إلى صراع طائفي مقيت، استخدمت فيه أفتك أنواع الأسلحة، وتقاذفت الدول المحيطة بسوريا بمقاتليها في مضمار المواجهة، ليزداد يوماً بعد يوم حجم التدخل الخارجي الإقليمي والدولي، وتتحدث بعض المصادر عن مشاركة حوالي مائة ألف مقاتل من سبعين دولة، تقع مسؤولية وجودهم على عاتق النظام والمعارضة، على حدٍ سواء، فالنظام الحاكم استعان بحوالي أربعة آلاف مقاتل من حزب الله اللبناني وعدة آلاف من لواء أبي الفضل العباس العراقي، عدا المقاتلين الحوثيين والعلويين الأتراك، وقبلهم شاركت قوات فيلق القدس – التابعة للحرس الثوري الإيراني.. أما المعارضة، فاستغاثت بالمقاتلين من شتى بقاع المعمورة، من بعض دول الخليج والأقطار العربية والإسلامية إلى الدول الأوروبية.

هذا الاستقطاب والتمترس لكل جانب من طرفي الصراع بالدول الحليفة والمؤيدة له، ألهب وأجج الصراع، وألقى بظلاله على الساحة الدولية، وأدَّى لإفلات الزمام من يد النظام والمعارضة لإصلاح العطب، نتيجة دس الدول المستغاث بها أنفها في الصراع الدائر، تحقيقاً لمصالحها، وتنفيذاً لمؤامراتها على الساحة السورية، ومثال على ما سبق أن النظام السوري لم تعد الكلمة له أولاً وأخيراً، فالإمداد الإيراني والروسي له بالمال والسلاح جعله قابعاً تحت نفوذهما وهيمنتهما عليه، وكذلك جانب المعارضة التي تأثرت بصورة مؤثرة من تواجد الفصائل الإسلامية المتطرفة قريباً منها، حتى اضطرت أحياناً للدخول معها في صراع عسكري، أفقدها بالتالي نحواً من تماسكها، وأشغلها أحياناً عن هدفها الرئيسي في مواجهة النظام الحاكم.

المبتلى من الشعب السوري من سلم من القتل لم يسلم من الفقر والجوع، والمبلغ الذي حددته الأمم المتحدة كإغاثة للشعب السوري يبلغ 1.08 مليار دولار لعام 2014 لم تتلق الأمم المتحدة منه سوى 242 مليون دولار، والسؤال المخزي: أين الدول التي تعهدت بالتبرع وإغاثة السوريين؟ أم ان تعهدها كان بالمزيد من الانتحاريين لاستمرار نزيف الدماء وحصد الأرواح البريئة، ولأنها تريد التبرؤ من جريرة التدخل وتجنب دفع فاتورة الصراع الدائر؟!

أعتقد ولا أجزم بأن الصراع الدموي في سوريا بأحد أوجهه القبيحة، هو صراع بين ندين عسكريين، نيابة عن رجال الدين القابعين في تكاياهم، المدعين للسلام الذي لم يعرفوه لا في كتبهم أو خبايا عقولهم، وهذا الصراع السني – الشيعي خطر داهم، وتبعاته المستقبلية باهظة ومكلفة، كما يبدو أن التعافي منه بعيد المنال.

نقلا عن جريدة الطليعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*