سعاد فهد المعجل : ألعاب الفيديو والأخلاق!

سعاد المعجل عضو المكتب السياسي

سعاد المعجل
عضو المكتب السياسي

مشاهد القتل والدماء والأشلاء أصبحت في متناول العامة، مع توافر الإعلام المباشر والفضائيات لأغلب الناس.. لم يعد المحاربون وحدهم مَن يرى ويشهد أهوال الحروب، بل إنها – أي الحروب – أصبحت، وبفضل النقل الحي والمباشر، جزءاً من مشهد الناس اليومي.

قديماً.. وحين أقول قديما، فأنا لا أرحل بعيداً في التاريخ، وإنما أعني عقداً أو عقدين من الزمان، حينها كنت دائماً ما استخدم مع طلبتي موضوع «مسؤولية العنف على مَن تقع؟»، كموضوع حي للحوار أو للكتابة، وغالباً ما كان الطلبة يستشهدون بالتلفزيون، كمصدر للعنف، ويحملونه جزءاً كبيراً من مسؤولية تنامي العنف لدى الشباب اليوم.

الجريمة التي حدثت في سوق الخضار (الشبرة) في الأسبوع الماضي، هي مشهد يومي مكرر، ليس في التلفزيون وحسب، وإنما كذلك في الألعاب الإلكترونية التي يمارسها كل الشباب والأطفال ومن جميع الفئات العمرية.
مشكلة الألعاب الإلكترونية وألعاب الفيديو ليس في ترويجها للعنف وحسب، وإنما لكونها ألعاباً تفاعلية، أي أن الطفل أو الشاب يتقمص الشخصية العدوانية، لكي يمارس اللعبة بشكل جيد. والدراسات بهذا الصدد كثيرة ومثيرة، إحداها أُجريت في عام 2001، تؤكد أن 76 في المائة من التلاميذ في أميركا وحدها يلعبون ألعاباً عنيفة لمدة 8 ساعات على الأقل في الأسبوع، وترى الدراسة أن هذه الألعاب سبب انتشار حوادث إطلاق النار وحمل الأسلحة من قِبل المراهقين.

ليس من السهل، إن لم يكن من المستحيل، التحكم في تدفق ألعاب الفيديو، مهما كان حجم العنف الذي تروجه، فالمسألة أصبحت جزءاً من واقعنا اليومي، بل إن القوانين التي صدرت للتحكم في درجة العنف في هذه الألعاب استطاع محامون مهرة الالتفاف عليها.. ففي عام 2005، أصدر حاكم ولاية كاليفورنيا قانونا يُلزم الشركات المنتجة لألعاب الفيديو، بأن تضع تحذيراً بمنع تداولها لمن هم أقل من 18 سنة، لكن الشركات المنتجة للألعاب تقدَّمت بدعوى قضائية، تطلب فيها إلغاء القانون وإيقاف تنفيذه، بحجة أنه مخالف للدستور، لأن ألعاب الفيديو هي نوع من أنواع التعبير عن الرأي المحمي دستورياً.

وبالفعل، اعتبرت المحكمة أن ألعاب الفيديو هي كذلك، وأن الدستور كفل للأطفال حماية الحق في التعبير، كما فعل بالنسبة للبالغين.

المشكلة هنا، أننا نعيش عصر العلم والحرية، والانتقائية بهذا الشكل هي ضرب من المستحيل، ولا يُستثنى هنا مجتمع واحد، بما فيها مجتمعاتنا التي نتصور أنها محصّنة ومغلقة، ففضاء حرية المعلومات جعل مسألة الحجر في غاية السذاجة.

وبما أن جميع الدراسات بهذا الصدد لاتزال فرضيات لم يحسمها العلم بعد، وبما أن القوانين لاتزال عاجزة، يبقى الأمل في مشروع أخلاقي تلتزم به شركات التقنية المصدرة لهذه النوعية من الألعاب.

نقلا عن جريدة الطليعة