سعاد فهد المعجل : الرسالة المحمدية

سعاد المعجل عضو المكتب السياسي

سعاد المعجل
عضو المكتب السياسي

الضجة التي قامت ولم تنتهِ حول تغريدة «أحمد الجارالله»، تعكس -ولا شك- قصوراً واضحاً في فهمنا للدين وللرسالة المحمدية على وجه الخصوص.

الموضوع الذي أثار حفيظة المعترضين يتعلق بقول «الجارالله» إن النبي (ص) كان يعمل عند خديجة وهو صبي، راعيا لأغنامها، وتلك حقيقة دونها التاريخ وأكدتها كل السير النبوية.

مشكلتنا الأساسية في فهم مغزى الدين والعقيدة، أننا غالبا ما نسقط مفاهيمنا وطموحاتنا ومعاييرنا الاجتماعية والاقتصادية والفكرية على فهمنا للمغزى العميق وللحكمة الرائعة من وراء سلوك ومنهج حياة كل الأنبياء والرسل وليس الرسول محمد (ص) وحده.

فنحن في داخلنا نرفض أن يكون رسول المسلمين بشراً يسير بين الناس ويأكل ويشرب ويلامس النساء ويغضب، بل ويخطئ، وذلك حين عبس وأعرض عن الأعمى «ابن أم مكتوم» الذي حضر إلى النبي (ص) في مجلسه بوجود صناديد قريش يسأله أن يعلمه ويقرئه، فكان أن عبس الرسول (ص) وأعرض عنه، وكان ذلك سببا لنزول الآية الكريمة: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى».

الرسول (ص) لم يترفع عن المكانة البشرية أبداً، وكان يحرص على أن يدرك الناس أنه بشر، يعمل ويكد ويخطئ ويصيب، بل ويستشير بما قد يغيب عنه، بدليل اعتزازه بحكمة عائشة، أو كما كان يطلق عليها «الحميراء»، لذلك كانت الآية الكريمة مفصلة لهذه الخاصية البشرية للرسول (ص): «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد».

نزعة الإنسان إلى التقديس، هي نزعة فطرية، حدثنا عنها القرآن في حكاية بحث سيدنا إبراهيم (عليه السلام) عن رمز يقدسه يبحث عنه في الشمس ثم القمر ثم الكواكب، وذلك قبل أن يهديه الله إلى أنه هو مصدر القدسية والتقديس، وليس خلقه أو مخلوقاته.. وكثيراً ما تقود نزعة الإنسان الفطرية للتقديس إلى تقديس المخلوق، أو تقديس المخلوق الذي عرف الخالق.

لقد جاءت الرسالة المحمدية، لتخلق المجتمع الفاضل القائم على العدل والمساواة واحترام قيم العمل، وهي دعوة إلى تزكية النفوس وتقويم القلوب وإصلاح الباطن والظاهر والخلق والسلوك: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فأين نحن اليوم من كل هذه الرؤية الشاملة؟ تركناها وانغمسنا في جدل عقيم لا يخدم بشراً ولا عقيدة.

نقلا عن جريدة الطليعة